في اعلانه عن مشروع قانون الحكومة لمعالجة الفجوة المالية قال رئيس الحكومة نواف سلام: “حكومتنا تعهّدت في بيانها الوزاري بإنصاف المودعين والسّير في طريق الإصلاح الاقتصادي والمالي والآن نجدّد هذا الالتزام”.

لكن من يقرآ مشروع الحكومة هذا يتبين له انها تهدف الى عكس ذلك، لأنها تحمّل أولًا المودعين عبأ الازمة، التي صنعها تحالف سلطة المحاصصة  والمصارف. وثانيًا هي تعيد إنتاج النظام المصرفي نفسه. وثالثًا هي تصرّ على الاستمرار في نفس النمط الاقتصادي والسياسي الذي ادى الى سلسلة انهيارات مالية واجتماعية وامنية وأخلاقية لا حدود لها. تصر عليه لانه الوحيد الذي يؤمن مصالحها.

تحاول السلطة الحالية التمايز عن السلطة السابقة وتدّعي العزم على إنجاز الاصلاحات البنيوية التي تنقل المواطن الى الدولة الحديثة والعادلة، لكن المواطن لم يرى شيئا من هذه الوعود. لا محاسبة ولا سجن لمسؤول واحد عن مآسي البلاد المتعاقبة. (ماذا حصل للقرارات القضائية بحق وزراء الإتصالات السابقين ؟). لا مصارف ولا كهرباء ولا ماء ولا صحة ولا تعليم ولا مواصلات ولا اتصالات ولا تعيينات إدارية تختلف عن المحاصصة السابقة. نحن أمام نسخ مموهة لنفس هذه السلطة التي وضعت البلاد في مصاف الدول الفاشلة. ها هي السلطة الجديدة  تصرف جهدها في استجداء الدعم الدبلوماسي والمالي الخارجي بدلا من معالجة اسباب العجز والنهب المتواصل للمالية العامة والخاصة.

نعم لقد فضح المشروع الذي يحمل عنوان الفجوة المالية حقيقة وطبيعة السلطة الحالية عندما اخفى في طياته الحلول التي تضمرها المصارف والتي تتناسب مع مصالحها الأساسية: لا تحديد للمسؤولين عن “إختفاء” بين ثلاثين وخمسين مليار دولار ولا محاسبة للمصارف ولا للمصرف المركزي او لسياسي واحد، ولا اعادة للانتظام المالي المصرفي بل تحميل المودعين العبئ الأساسي بينما يجب وفق القوانين المحلية والدولية ان تتحمل المصارف والسلطة المسؤولية الاولى. 

الآن قذفت السلطة كرة النار نحو ملعبها  الآخر: المجلس النيابي العتيد الذي عودنا، خاصة عبر لجنته المالية الكريمة، على التماهي مع تحالف المصارف والسلطة والتهرب من التشريع بعد ستة سنوات من الغياب. وهو على الارجح سيعمل مجددا على تعطيل اي حل. وهو استمرار لشعار سلطة المحاصصة: اللاحلّ هو الحل الوحيد المقبول!

يبقى ان هناك عددٍ ضئيل من النواب الذين عملوا على تصحيح المسار لكن مشروع الحكومة جاء ليؤكد لنا ان الدولة العميقة هي نفسها وان الإصلاح ليس سوى شعار يرفعه هؤلاء لن يؤمن  للبنانيين حقوقهم الأساسية.

مشروع الحكومة هذا يخالف الدستور لانه يشرعن نهب الودائع، وهو لن يعيد الثقة لا بالسلطة ولا بالمصارف ولن يطلق عجلة الاقتصاد، بل هو سيكرس قانونًا مبدأ عدم المحاسبة وعفا الله عما مضى، وهو دعوة الى تكرار الفساد حتى إنهيار البلاد الشامل. 

نعم تعتقد جمعية المستهلك أن مفهوم الأمن الاقتصادي ضرورة لإستقرار البلاد وأمنها الأمني والعسكري والسياسي والاجتماعي والغذائي والصحي والاخلاقي والسكاني.

أما مشروع السلطة هذا فهو سيكرس إفقار أكثرية الشعب اللبناني ويدفع بشبابهم الى الهجرة واليأس وعدم القدرة على الزواج والسكن ويرمي بهم الى بؤر المخدرات والعمالة والبغاء والانحلال الخلقي.

هل تعي الحكومة والمجلس النيابي ودولتها العميقة مسؤوليتها عن كل ذلك عندما تتقدم بمشروعها المنحاز ؟

المواطن الغريق الذي تتقاذفه أزماتكم يريد حقوقه، ومنها قانون عادل، يعيد آليه وديعته بينما تسعى مصارفكم إلى إبتلاع ما تبقى منها.

على الحكومة أن تلتفت الى مسؤوليتها عن هذه الوقائع، إما أن تصحح المسار وإما ان ترحل.

جمعية المستهلك- لبنان.

التعليقات معطلة.